صديق الحسيني القنوجي البخاري

39

فتح البيان في مقاصد القرآن

باب ، وفيه الترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود ومن المعقول إلى المحسوس ، اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر ، وقد يكون من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] أي بكم وقوله : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ [ فاطر : 9 ] أي فساقه ، وقد يكون من التكلم إلى الغيبة ، فهذه أربعة أقسام ذكرها البيضاوي ، والتحقيق أنها ستة وهي ظاهرة لأن الملتفت منه والملتفت إليه اثنان وكل منهما إما غيبة أو خطاب أو تكلم ، والعرب يستكثرون منه لفوائد تستدعيه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب آخر كان أدخل في القبول عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه ، وأملأ لاستلذاذ اصغائه وأكثر إيقاظا له كما تقرر في علم المعاني ، وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق المهرة وقليل ما هم . ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء وأجرى عليه تلك الصفات ، تعلق العلم بمعلوم على الذات ، سمي الصفات ، حري بالثناء وغاية التذلل والاستعانة في المهمات ، فخوطب ذلك المعلوم للتميز بتلك الأوصاف ، فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك ، والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الاخبار من الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد أو عن سائر الموحدين ، وفيه إشعار على التزام الجماعة ، وقدمت العبادة على الاستعانة لتوافق رؤوس الآي ولكون الأولى وسيلة إلى الثانية ، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب ، وإطلاق العبادة والاستعانة لقصد التعميم لتتناول كل معبود به ومستعان فيه ، واستحسنه الزمخشري وقال لتلاؤم الكلام ، وأخذ بعضه بحجزة بعض ، وتكرير الضمير للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة منهما ولإبراز الالتذاذ بالمناجاة والخطاب . وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يقول اللّه قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال اللّه : حمدني عبدي ، وإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال : أثنى عليّ عبدي ، وإذا قال : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال : مجدني عبدي ، وربما قال فوض إليّ عبدي ، وإذا قال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، قال : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الخ قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » « 1 » . وعن أبي طلحة قال : كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزاة نلقى العدو فسمعته يقول : يا مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال : فلقد رأيت الرجال تصرع فتضربها

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 38 ، 40 .